السيد محمد الصدر

66

تاريخ الغيبة الصغرى

وأما الروايتان الأخيرتان ، التي سنسمعهما ، فالمقدار المشترك من مدلوليهما ، هو أن المهدي ( ع ) ساكن خلال غيبته الكبرى في بعض الجزر المجهولة من البحر الأبيض المتوسط . . متزوج وله ذرية . وقد أسس هناك مجتمعا إسلاميا نموذجيا مكونا من أولاده والأخيار من أتباعهم وأصحابهم . وهو يعيش في ذلك المجتمع محتجبا ، في الوقت الذي يتولى الرئاسة العامة أولاده وذريته . وسيأتي التعرض إلى تفاصيل المضمون بمقدار الحاجة ، مع إيضاح نقاط الضعف فيه . ويكفينا في حدود محل الاستدلال المناقشة من ناحيتين : أولا : إن كلا الروايتين لا تكادان تصحان أساسا ، لابتنائهما على الأساس الذي تقوم عليه الأطروحة الأولى ، كما سنوضحه عند التعرض إلى تفاصيلها . وهو أساس سبق أن أقمنا البرهان على بطلانه . ثانيا : انه على تقدير صحتهما ، فهما لا يدلان على شيء زائد مما اقتضته القواعد العامة . فان غاية ما تدلان عليه هو افتراض ان الإمام المهدي ( ع ) قد وجد في بعض الأجيال امرأة صالحة موثوقة عرفته وسترت أمره وحجبته عن ذريته . وقد علم ذريته بانتسابهم إليه من دون أن يروه أو يعرفوا مكانه . وبالجملة يكفي في صدق هاتين الروايتين وقوع الزواج للمهدي ( ع ) مرة واحدة خلال الأجيال ، وهو مما لم تنفه القواعد العامة ، كما هو معلوم . إذن فلم نجد من الروايات ، ما يصلح للاستدلال به على مضمون زائد على ما عرفناه في القواعد العامة . الأمر الثاني : في مكان المهدي ( ع ) في غيبته الكبرى . سبق أن سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى « 1 » ، أن المهدي ( ع ) قال لمحمد بن إبراهيم بن مهزيار حين قابله : يا ابن المازيار ! أبي أبو محمد عهد إلي أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم . وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ، ومن البلاد إلا عفرها . . . الخ كلامه .

--> ( 1 ) انظر ص 582 وغيرها .